الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإنّ ممَّا يتعيّن على الصائمين معرفته، المُفَطِّرَات، وهي أنْواع:
الأول: الجماعُ، وهو أعْظَمُها وأكْبَرُها إثماً. ومَتَى جامع الصائمُ عمدًا بطَل صومُه ولزمه الكفارةُ المغلَّظةُ وهي: عتقُ رقبةٍ مؤمنةٍ فإنْ لم يَجدْ فصيام شهرينِ متتابعين لا يُفْطرِ بينهما إلَّا لعُذْرٍ، فإن لَم يستطعْ فإطعامُ ستِّين مسكيناً لِكُلِّ مسكينٍ نصف صاع.
الثانـي: إنزالُ المنيِّ باختياره بتقبيل أو لمسٍ أو استمناء أو نحو ذلك لأنَّ هذا مِنَ الشَّهْوةِ الَّتِي لا يكونُ الصوم إلَّا باجتِنَابها كما جاء في الحديث الْقُدْسيِّ: «يَدَع طعامَه وشرابَه وشهوتَه من أجْلِي»([1]).
فأمَّا مجرّد التقبيل واللَّمْس بدونِ إنْزالٍ فلا يُفَطِّرُ، لمَا في الصحيحين من حديثِ عائشةَ رضي الله عنها: «أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُقَبِّلُ وهو صائمٌ ويباشر وهو صائمٌ، ولَكِنَّه كان أمْلَكَكُمْ لإِربِه»([2]). لكن إنْ كان الصائمُ يخشى على نفْسِه من الإِنزالِ بالتقبيلِ ونحوِه أو مِنَ التدَرُّج بذلك إلى الجماعِ لعدمِ قوَّتِهِ على كَبْحِ شَهْوَتِهِ فإنَّ التقبيلَ ونَحْوَه يحرم حينئذٍ سَدًّا للذَّريعةِ، وَصوناً لصيامه عن الفسادِ. ولذلك أمر النبيُّ ﷺ المتوضئ بالمبالغة في الاستنشاق إلا أن يكون صائماً([3])، خوفاً من تسرب الماء إلى جوفه.
وأمَّا الإِنزالُ بالاحتلام فلا يُفَطِّر.
الثالث: الأكلُ أو الشربُ، وهو إيصالُ الطَّعامِ أو الشراب -وما يقوم مقامهما ويغني عنهما في هذا الزمان- إلى الْجَوْف. بأي وسيلة ولو بالحقن عن طريق يده أو رجله.
الرابعُ: خروجُ دمِ الْحَيْض والنِّفَاسِ، بالنص والإجماع. فمتى رأتْ دمَ الْحَيْض أو النِّفاس فَسدَ صومُها سَواءٌ في أوَّل النهارِ أمْ في آخرِهِ، ولو قبل الغُروبِ بِلَحظةٍ وأمَّا إذا أحَسَّتْ بانتقال الدَّمِ ولم يَبْرُزْ إلَّا بعد الغروبِ فصومُها صحيحٌ.
* ويُخشى على مَن تبرَّع بالدم، أو احتجمَ وهو صائم أنْ يضعُفَ فيُفطر بذلك، فالسلامة والأحوط ألا يفعل ذلك حال صومه.
وأما خروج الدم من الصائم بالرُّعافِ أو السُّعال أو الباسور أو قلْع السِّنّ أو شقّ الجرح أو تحليل الدم أو غَرْز الإِبرة ونحوها فلا يُفطر لأنه شيء يسير لا يؤثر في البدن كتأثيرِ الحجامةِ والتبرُّع ونحوهما، ولعدم الدليل على كونه مفطرًا.
* ولا شيء على من ذَرَعه القيء بدون سبب منه وحُكي فيه الإجماع، وأما من استقاء أي فعل سببًا يتقيأُ به فإنه يُفطر بذلك عند جمهور العلماء.
وفي المُسند أنَّ النبيَّ ﷺ قاءَ فأفطر([4]). وحملهُ بعضُ العلماء: على أنه ضعُف بذلك فصار كالمريض فأفطر.
* وشروط الفطر بالأكل والشرب والجماع ونحوها:
الأول: أن يكون عالمًا.
الثانـي: أن يكون مختارًا.
الثالث: أن يكون ذاكرًا.
فأما المكره والناسي والجاهل، فلا يفطرون، لقوله تعالى: ﴿وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡۚ﴾ [الأحزاب: 5]
ولقوله سبحانه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ﴾ [البقرة: 286] وفي الصحيح أن الله تعالى قال: «قد فعلت»([5]).
ولقوله ﷺ: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ» متفق عليه([6]).
ولقوله ﷺ: «عُفي لأمَّتي عَن الخَطَأ والنِّسْيان وَمَا استُكْرهُوا عَلَيه»([7]).
والجاهل: سواء كان جاهلًا بالحكم كما لو لم يعلم بأنه يفطِّر لحداثةِ إسلامه ونحوه، أو كان جاهلًا بالحال: كما لو أكلَ يظنّ الشمس قد غربت لغيم ونحوه، أو يظنُّ الفجر لم يطلع. لحديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: «أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ غَيْمٍ، ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ». رواه البخاري([8]).
ولم تذكر رضي الله عنها أنَّ النبيَّ ﷺ أمرَهُمْ بالقضاءِ، لأنهم كانوا جاهِلينَ بالوقتِ ولو أمَرهُمْ بالقضاءِ لنُقِلَ، لأنه ممَّا توَفَّرُ الدَّواعِي على نقلِهِ لأهميَّتِه.
لَكنْ متى عَلِم ببقاءِ النهارِ وأنَّ الشَّمسَ لم تَغب أمْسكَ حتى تغيبَ، كمن أكل ناسيا ثمّ ذكر صومَه فليتم صومه.
ومَن أفطر متعمّدًا فيجب عليه الإمساك، لأنّ كلّ لحظة من النهار فهو مخاطَب بالإمساك فيها، وليس معناه إذا تعمّد الإفطار أنَّ له أنْ يأكل بقية يومه ويفعل ما شاء، بل يجب عليه الإمساك وهو آثم على انتهاك كلّ لحظة في نهار رمضان بمفطّر. وهذا إمساك لازم ولا يُعتد له به. وهذا عند جماهير العلماء. ولو أكل عمدًا، ثمَّ جامعَ فعليهِ الكفَّارة([9]).
* قال ابنُ قدامة رحمه الله: «ما حصلَ من الصائم عن غير قصد، كالغبار الذي يدخل حلقه من الطريق، ونخل الدقيق، والذبابة التي تدخل حلْقه، أو يرش عليه الماء فيدخل مسامعه، أو أنفه أو حلْقه، أو يُلقَى في ماء فيصل إلى جَوفه، أو يسْبق إلى حلْقِه من ماء المضمضة، أو يُصب في حلقه أو أنفه شيء كُرها، أو تُداوى مأمومته أو جائفته بغير اختياره، أو يُحجَم كرها، أو تقبِّله امرأة بغير اختياره فيُنزل، أو ما أشبه هذا، فلا يفسد صومه، لا نعلم فيه خلافًا؛ لأنه لا فعل له فلا يفطر، كالاحتلام»([10]).
ولا يُفْطِرُ الصائمُ بِالْكُحْلِ والدواءِ في عينِه ولو وجدَ طعْمَه في حلْقِه لأنَّ ذلك ليس بأكْلٍ ولا شُربٍ ولا بمعناهُما، ولا يُفْطِر بِتَقْطير دواءٍ في أذُنِه أيْضاً، ولا بوضع دواءٍ في جرحٍ ولو وجدَ طعمَ الدواء في حَلْقِه لأنَّ ذلك ليس أكْلًا ولا شُرباً ولا بمعنى الأكْلِ والشُّرب([11]).
ولا يُفْطِرُ بالتَّسَوُّكِ، بل هو سُنَّةٌ للصائم في أول النهار وآخره([12])، لقولِ النبي ﷺ: «لولا أنْ أشقَّ على أمَّتِي لأَمرْتُهم بالسواكِ عندَ كلِّ صلاةٍ» متفق عليه([13]).
وهذا عامٌ في الصائمينَ وغيرِهم في جميع الأوْقاتِ، وقال عَامِرُ بنُ ربيعةَ رضي الله عنه: «رأيتُ النبيَّ ﷺ ما لا أحْصِي يتسوَّك وهو صائمٌ». رواه أحمد([14]).
اللَّهُمَّ فقهْنا في ديْنِنا وارزقْنا العمل به، وثبِّتنَا عليه وتوفَّنَا مؤمِنين وألْحِقنَا بالصالحين. واغفر لنا ولِوالِدِينا ولجميع المسلمينَ برحمتِك يا أرحم الراحمينَ.
وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِهِ وصحبهِ أجْمعينَ.
والحمد لله رب العالمين.
([1]) البخاري 1894 ، ومسلم 1151.
([2]) البخاري 1927، ومسلم 1106.
([3]) انظر: مسند أحمد 17846 ، الجامع الصحيح 1468.
([4]) مسند أحمد 21701 ، 22372 ، الجامع الصحيح 1471.
([5]) رواه مسلم (126) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
([6]) البخاري 1933 ، 6669، ومسلم 1155.
([7]) حديث حسن جاء عن جماعة من الصَّحابة. انظر: جامع العلوم 698، المقاصد الحسنة رقم 528، والإرواء 1/123/رقم 82 .
([8]) صحيح البخاري 1959 .
([9]) انظر: الإنصاف للمرداوي 7/460- 461.
([10]) المغني 4/364 - 365.
([11]) مجالس رمضان لابن عثيمين ص108.
([12]) مجالس رمضان لابن عثيمين ص110.
([13]) البخاري 887، ومسلم 252.
([14]) مسند أحمد 15678 ، وأبو داود 2364، والترمذي 734.